تقي الدين الغزي

138

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

ثم سافر ، وأخذت في الطّبيعىّ والإلهىّ ، فصارت الأبواب تنفتح علىّ ، ورغبت في الطّبّ ، وبرّزت فيه في مديدة ، حتّى بدأ الأطبّاء يقرءون علىّ ، وتعهّدت المرضى ، فانفتح علىّ من أبواب المعالجات النّفيسة من التّجربة ما لا يوصف ، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه ، وأناظر فيه ، وعمرى ستّ عشرة سنة . ثمّ أعدت قراءة المنطق ، وجميع أجزاء الفلسفة ، ولازمت العلم سنة ونصفا ، وفي هذه المدّة ما نمت ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغلت في النهار بغيره ، وجمعت بين يدي ظهورا ، فكلّ حجّة انظر فيها أثبت مقدّمات قياسيّة « 1 » ، ورتّبتها في تلك الظّهور ، ثم نظرت فيها عساها تنتج ، وراعيت شروط مقدّماته حتى تحقّق لي حقيقة الحقّ في تلك المسألة ، وكلّما كنت أتحيّر في مسألة ، أو لم أظفر بالحدّ الأوسط في قياس ، تردّدت إلى الجامع ، وصلّيت ، وابتهلت إلى مبدع الكلّ ، حتى فتح لي المنغلق منه ، وتيسّر المتعسّر ، وكنت أرجع بالليل إلى دارى ، وأشتغل بالكتابة والقراءة ، فمهما غلبني النّوم ، أو شعرت بضعف ، عدلت إلى شرب قدح من الشّراب ، ريثما تعود إلىّ قوّتى ، ثم أرجع إلى القراءة ، ومهما غلبني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها . ثمّ إنّ كثيرا من المسائل اتّضح لي وجوهها في المنام ، حتّى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنسانىّ ، وكلّ ما علمته في ذلك فهو كما علمته ، لم أزد فيه إلى اليوم ، حتى أحكمت علم المنطق والطّبيعىّ والرياضىّ ، ثم عدلت إلى الإلهىّ ، وقرأت كتاب « ما بعد الطّبيعة » فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس علىّ غرض واضعه ، حتى أعدت قراءته أربعين مرّة ، وصار لي محفوظا ، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به ، وأيست من نفسي ، وقلت : هذا كتاب لا سبيل إلى تفهّمه ، وإذا أنا في يوم من الأيّام حضرت وقت العصر في الورّاقين ، وبيد دلّال مجلّد ينادى عليه ، فعرضه علىّ فردته ردّ متبرّم ، فقال : إنّه رخيص بثلاثة دراهم . فاشتريته ، فإذا هو كتاب لأبى نصر الفارابىّ في أغراض كتاب « ما بعد الحكمة الطّبيعيّة » ، ورجعت إلى بيتي ، وأسرعت قراءته ، فانفتح علىّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب ، ففرحت وتصدّقت بشيء يسير ، شكرا لله تعالى . واتّفق لسلطان بخارى ، نوح بن منصور ، مرض صعب / فأجرى الأطبّاء ذكرى بين يديه ، فأحضرت وشاركتهم في مداواته ، وسألته الإذن في دخول خزانة كتبهم ومطالعتها

--> ( 1 ) في ط ، ن : « قياسه » ، والمثبت في : س .